تقرير لـ«مجلس الشرق الأوسط» عن الحرب الإيرانية.. دول الخليج.. ثقل تفاوضي في ظل نظام متعــــدد الأقــطاب
أكد تقرير صدر حديثا، أن دول الخليج العربي تتمتع حالياً بثقل تفاوضي كبير في ظل نظام متعدد الأقطاب، وتحول عميق من نظام دولي كانت حدوده ومعالمه معروفة وواضحة، إلى نظام عالمي جديد لم تتبلور قواعده بعد.
ولفت تقرير للدكتور خالد الجابر، المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة، صادر من المجلس، إلى أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية سارعت من وتيرة هذا التحول، لكنها لم تكن السبب الأساسي الكامن وراءه. وذكر التقرير أن أيا من القوى الكبرى لم تظهر الإرادة السياسية أو الشرعية الكافية لقيادة استجابة دولية منسقة، مما يعكس إخفاقاً واضحاً في منظومة الحوكمة العالمية.
لافتا إلى أنه في الوقت نفسه، لم يعد مفهوم الأمن القومي يقتصر على الردع العسكري التقليدي، بل توسع ليشمل سلاسل الإمداد، وأشباه الموصلات، والبنية التحتية الرقمية، وقدرات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تحدد قوة الدول ونفوذها بقدر ما تحدده القدرات العسكرية.
وأكد التقرير أنه لا يمكن النظر إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية-الإيرانية على أنها مجرد أزمة إقليمية عابرة أو صدام بين قوى متنافسة في منطقة محدودة، موضحا أنها لحظة فارقة في التاريخ السياسي المعاصر.
وذكر أن العالم دخل مرحلة تحول تاريخي، ينتقل فيها من نظام دولي معروف المعالم إلى نظام جديد لا تزال ملامحه وقواعده غير واضحة. والحرب الحالية ليست المحرك الوحيد لهذا التحول، بل سرعت وتيرته وكشفته على نحو جلي.
جدار برلين
وأشار التقرير إلى أنه على مدى العقود الثلاثة التي تلت سقوط جدار برلين وانهيار النظام ثنائي القطبية وتفكك الاتحاد السوفيتي، سيطرت أربعة سيناريوهات رئيسية على الخطاب العالمي، وهي هيمنة أمريكية مطلقة على النظام الدولي، وانضواء أوروبا تحت المظلة الأمنية الأمريكية عبر حلف شمال الأطلسي مما سمح لها بالتركيز على التكامل الاقتصادي، والصعود الاقتصادي الصيني السلمي في البداية، وأخيراً التعامل مع الأزمات الإقليمية كحالات منفصلة يمكن احتواؤها دون التأثير على التوازن العالمي.
ونبه إلى أن الحرب الحالية أثبتت أن هذا النموذج لم يعد صالحاً لتفسير الواقع أو التنبؤ بمستقبله، مشيرا إلى أن السؤال لم يعد كيفية إدارة الأزمات داخل نظام مستقر، بل من يملك القدرة على إدارة النظام الدولي نفسه، ومن يضع قواعده ويفرض معاييره.
إعادة تعريف الأمن
ولفت إلى أن من أبرز نتائج هذه الحرب تحول مفهوم الأمن، فلم يعد الأمن القومي يعني القوة العسكرية الصلبة والردع النووي والتقليدي فقط، بل أصبح مفهوماً مركباً يشمل الأبعاد الاقتصادية المتعلقة بسلاسل الإمداد، والتكنولوجية المرتبطة بأشباه الموصلات والاتصالات، وبعد الطاقة، والمعلوماتي الخاص بالبيانات والسيادة الرقمية، ومكون الذكاء الاصطناعي الذي يشكل عاملاً حاسماً في معادلات القوة المستقبلية.
وتابع التقرير أن الدولة التي تستطيع حماية شبكاتها الرقمية، وتأمين سلاسل إمدادها، وضمان استقلالها التكنولوجي في القطاعات الحيوية، أصبحت أكثر أماناً من تلك التي تعتمد على تفوق عسكري مجرد دون قاعدة اقتصادية وتكنولوجية قوية. وبهذا، لم تعد الجيوش وحدها أداة الردع، بل انضمت إليها المصانع الاستراتيجية، ومختبرات الأبحاث، وشركات التكنولوجيا، والبنى التحتية الرقمية.
مأزق أوروبا
ويعتبر التقرير أن هذا التحول يمثل نهاية مرحلة اليقين الاستراتيجي فيما بعد الحرب الباردة، مشيرا إلى أن الأزمة كشفت عن تراجع القدرة الجماعية للقوى الغربية على إدارة الصدمات الكبرى، وبرزت أوروبا كنموذج واضح لذلك.
ولفت إلى أن القارة التي اعتمدت طويلاً على الضمانات الأمريكية عبر الناتو، تواجه الآن سؤالاً وجودياً حول مستقبل أمنها في ظل انشغال واشنطن المتزايد بالمحيط الهادئ ومنافستها مع الصين.
دول الخليج
وتناول التقرير وضع دول الخليج العربي حيث تقع في قلب هذا التحول كمورد رئيسي للطاقة ولاعب محوري في التوازن الدولي، مشيرا إلى أن احتياطيها من النفط والغاز وسيطرتها على الممرات البحرية الحيوية، يمنحها ثقلاً استراتيجياً كبيراً، ولكنه أكد أن هذا الموقع نفسه يحول ميزتها الجغرافية إلى عبء في أوقات التصعيد، خاصة مع تهديد إغلاق مضيق هرمز أو تعطيل الملاحة، الذي أصبح اختباراً لقدرة النظام الدولي على حماية الاقتصاد العالمي.
Tomas Kauer - News Moderator